عبد الملك الخركوشي النيسابوري
104
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
وعن أبي عثمان في قوله عز وجل : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ « 1 » ، قال : الصبار الشكور هو الفقير الصابر ، لأن ظاهره ظاهر الصبر ، وهو في الباطن مع الحق على مقام الشكر . وأنشدونى في الصبر : غاية الصّبر لذيذ طعمها * وبدىء الصبر مرّ كالصبر إنّ في الصبر لفصلا بينا * فاحمل النفس عليه واصطبر ووقف الثوري على شيخ يضرب بالسياط ، وقد ضرب ألف سوط فصبر ، فاستحسن صبره على كبر سنّه ، فدخل عليه الحسن فسأله عن سبب صبره مع كبر سنّه وضعف جسمه ، فقال : يا بنى الهمم تحمل البلاء لا الأجسام ، قال : قلت : فما الصبر عندكم ؟ قال : الخروج من البلاء على حسب الدخول فيه . ويقال : الصبر مخرجه من اليقين ، ومن لا يصحّح يقينه لا يوفق لشئ من الصبر . وقال بعضهم : الصبر المقام مع البلاء بحسن الصّحبة ، كالمقام مع العافية ، وهذا صبر وما سواه تصبر . وقال بعضهم : المؤمن يصبر على كل شئ إلا على القطيعة ، قوله عزّ وجلّ : رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ « 2 » ، قيل : هو القطيعة . ويقال : ثلاث من الصبر : لا تحدّث بمصيبتك ، ولا بوجعك ، ولا تزكّى نفسك . وقال بشر بن الحارث : أفضل ما أعطى العبد المعرفة والصبر . وقال أبو بكر الورّاق : من أبصر الأمور من السماء تصبر ، ومن أبصرها من الأرض تحير . وعن إبراهيم الخواص قال : الصبر هو الثبات على أحكام الكتاب والسنة . وقال أبو عثمان الحيري : جزاء الصبر ، هو أن يعطى اللّه عزّ وجلّ العبد الرضا ، فمن تحقق بالصبر ولزم طريقة الصابرين ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يثيبه عليه أحسن ثواب عاجلا وآجلا ، قال اللّه تعالى : وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ « 3 » .
--> ( 1 ) سورة إبراهيم : 5 . ( 2 ) سورة البقرة : 286 . ( 3 ) سورة النحل : 96 .